ابن عجيبة

443

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم أمر بجهاد الأقرب فالأقرب ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 123 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 123 ) يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ، أي : جاهدوا الأقرب فالأقرب بالتدريج ، كما أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بإنذار عشيرته الأقربين ، فإن الأقرب أحق بالشفقة والاستصلاح . وقيل : هم يهود حوالي المدينة ، كقريظه والنضير وخيبر ، وقيل : الروم بالشام ؛ وهو قريب من المدينة ، وكانت أرض العرب قد عمها الإسلام ، وكانت العراق حينئذ بعيدة . وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ؛ شدة وصبرا على قتالهم ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالإعانة والنصر والحراسة . الإشارة : ينبغي لأهل الوعظ والتذكير أن يبدأوا بالأقرب فالأقرب على التدريج ، قال الرفاعي رضى اللّه عنه : إذا أراد اللّه أن يرقى عبدا إلى مقامات الرجال ؛ كلفه بأمر نفسه أولا ، فإذا أدب نفسه واستقامت معه ، كلفه بأهله ؛ فإن أحسن إليهم وساسهم ، كلفه بأهل بلده ، فإن أحسن إليهم وساسهم ، كلفه جهة من البلاد ، فإن هو نصحهم ، وساسهم ، وأصلح سريرته مع اللّه ، كلفه رتبة ما بين السماء والأرض ، فإن لله خلقا لا يعلمهم إلا اللّه ، ثم لا يزال يرتفع من سماء إلى سماء حتى يرتفع ويصل إلى محل القطب الغوث ، وهناك يطلعه اللّه على بعض غيبه . انتهى . والغلظة التي تكون في المذكر ، إذا رأى منكرا ، أو ذكر له وأراد النهى عنه . وأما في الترغيب والإرشاد فينبغي أن يغلب جانب اللطافة واللين . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر حال المنافقين عند نزول الوحي ، لأن السورة جلها في فضيحتهم ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 124 إلى 127 ] وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ ( 125 ) أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 127 )